محمد بن علي الشوكاني

503

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

ويجعله نفس ما وردت به التوراة والإنجيل ، ويجزم به ويحرره في كتبه مظهرا أن الشريعة المحمدية جاءت بما لم يكن في الشرائع السابقة ، زاعما أن ذلك دليل على كمالها ، مبطنا ما أبطنه هذا الزنديق ابن ميمون اليهودي ، كما فعل ذلك ابن سينا ( 1 ) ، وتبعه ابن أبي الحديد ( 2 ) في شرح ( النهج ) ( 3 ) . بل جاوز ما قاله هذا إلى ما هو شر منه ، فقال : إن التوراة لم يأت فيها وعد ووعيد يتعلق بما بعد الموت . وهذه فرية على التوراة ، وجحد لما فيها ، وتحريف لما صرحت به في غير موضح كما قدمنا بعض ذلك . وكذلك زعم أن المسيح وإن صرح بالقيامة فقد جعل العذاب روحانيا ، وكذلك الثواب ، وهذا أيضًا كذب محض . وقد قدمنا ما يفيدك ذلك ، ويطلعك على كذبهما . والعجب أن ابن ميمون اليهودي لم يتجاسر على ما زعماه من أن التوراة لم يأت فيها وعد ووعيد يتعلق بما بعد الموت ، بل أثبت ذلك ، واستدل عليه بالتوراة كما عرفت من كلامه السابق المتضمن لاعترافه ، ولمخالفته في إثبات اللذات الجسمانية . فإن قلت : قد جاء عن الصابئة ، وعن جماعة من المتعلقين بمذاهب الحكماء ما يوافق كلام ابن ميمون المذكور . قلت : لسنا بصدد الرد على كل كافر ومتزندق ، بل بصدد الكلام على ما جاءت به رسل الله ،

--> ( 1 ) هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسين بن علي بن سينا ، البلخي ، ثم البخاري يلقب بالشيخ الرئيس ، فيلسوف ، طبيب ، شاعر ولد سنة 370 ه‍ كان هو وأبوه من أهل دعوة الحاكم العبيدي من القرامطة الذين لا يؤمنون بمبدأ ، ولا بمعاد ، ولا رب ، ولا رسول . من تصانيفه الإشارات ، القانون في الطب وتقاسيم الحكمة . انظر : شذرات الذهب ( 3 / 234 ) ، معجم المؤلفين ( 4 / 20 ) . ( 2 ) هو عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني كان فقيها أصوليا ، وله في ذلك مصنفات معروفة مشهورة ، وكان متكلما جدليا ، اصطنع مذهب الاعتزال ولد بالمدائن في غرة ذي الحجة سنة ست وثمانين وخمسمائة ، ونشأ بها ، نظم القصائد المعروفة بالعلويات السبع على طريقتهم ، وفيها غالي وتشيع . من مصنفاته ، الاعتبار ، شرح نهج البلاغة . انظر : البداية والنهاية ( 13 / 213 ) وفوات الوفيات ( 2 / 259 ) والوافي في الوفيات ( 18 / 76 ، 77 ) . ( 3 ) لم أجد هذه العبارات في شرح النهج .